الحسين بن نصر ابن خميس
559
مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار
وكم بيننا وبين الموضع الذي تركت فيه أصحابي ورفقائي ؟ فتبسّم بعضهم وقال : يا أبا إسحاق ، للّه أسرار وعجائب ، ومتاهات « 1 » ، الموضع الذي أنت فيه لم يحضره آدميّ قبلك إلا شابّ من أصحابكم ، توفّي ههنا وهذا قبره ، وأشاروا إلى قبر على شفير البحيرة ، حوله روضة ورياحين لم أر قبله مثله ولم أسمع به بتة ، ثمّ قال : بينك وبين القوم الذين فارقتهم مسيرة ثلاثة أشهر . فقلت : خبّروني عن الشّابّ . فقال قائلهم : نعم ، بينا نحن قعود على شفير البحيرة نتذاكر المحبّة ، ونتحاور فيها ، إذا نحن بشخص قد أقبل إلينا ، وسلّم علينا ، فرددنا عليه السّلام ، وقلنا له : الشّاب ، من أين أقبل « 2 » ؟ فقال : من مدينة نيسابور . قلنا : ومتى خرجت منها ؟ قال : منذ سبعة أيام . قلنا : وما الذي أزعجك للخروج من وطنك ؟ قال : آية سمعتها ، يقول اللّه تعالى : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ [ الزمر : 54 ] . قلنا له : فما معنى الإنابة ؟ وما معنى التّسليم ؟ وما معنى هذا العذاب الذي عنى ؟ فقال : الإنابة أن يرجع بك منك إليه ، وتعلم أنّه دعاك ولبّى « 3 » نفسه نفسك ، والعذاب عذاب الفراق . وصاح صيحة ومات فواريناه « 4 » ، وهذا قبره . قال إبراهيم : فتعجّبت ممّا وصفوا ، ثمّ دنوت من قبره ، فإذا عند رأسه طاقة نرجس ، كأنّها رحى عظيم ، وعلى قبره مكتوب : هذا قبر حبيب اللّه قتيل الغيرة « 5 » . وعلى ورقة مكتوب : صفة الإنابة . قال إبراهيم : فقرأت ما على النّرجس مكتوب ، فسألوني أن أفسّر لهم ، ففسرت لهم ، فوقع فيهم الطّرب ، فلمّا أفاقوا وسكنوا قالوا : قد كفينا جواب مسألتنا . ووقع عليّ النّوم ، فما انتبهت إلّا
--> ( 1 ) في ( أ ) : وعجائب ومتابعات . ( 2 ) في ( أ ) : أيها الشاب من أين أقبلت . ( 3 ) في ( أ ) : دعاك وليّا . ( 4 ) في ( أ ) : ومات فورا . ( 5 ) في روض الرياحين : قتيل العبرة .